السيدات والسادة الحضور،
أصحاب المعالي والسعادة،
السادة ممثلي السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية،
السادة أعضاء مجلسي النواب والشيوخ،
السادة ممثلي المؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني،
السادة الخبراء والمتخصصين،
يسعدني أن أرحب بكم جميعاً في المجلس القومي لحقوق الإنسان، وأن أتوجه إليكم بخالص الشكر والتقدير على مشاركتكم في هذه الجلسة الافتتاحية لسلسلة جلسات الاستماع التي يطلقها المجلس حول مشروع قانون الأحوال الشخصية.
وأود في البداية أن أؤكد أن هذه الجلسات لا تمثل مجرد فعالية أو نشاطاً مؤسسياً ضمن برنامج عمل المجلس، وإنما تأتي في إطار توجه أوسع يتبناه المجلس لتعزيز الحوار المؤسسي حول التشريعات والسياسات العامة ذات الصلة بحقوق الإنسان.
ونبدأ اليوم بقانون الأحوال الشخصية، ليس فقط لأهميته القانونية، وإنما لأنه من أكثر التشريعات تأثيراً في حياة المواطنين، وأكثرها ارتباطاً باستقرار الأسرة المصرية وتماسك المجتمع.
السيدات والسادة،
إن القضية المطروحة أمامنا اليوم ليست كيف ننظم مسائل الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والولاية والرؤية فحسب، وإنما كيف نبني إطاراً تشريعياً يعزز العدالة، ويحفظ الكرامة الإنسانية، ويقوي الأسرة المصرية في آن واحد.
فالأحوال الشخصية ليست مجرد قواعد قانونية تنظم العلاقات الأسرية، وإنما هي جزء من العقد الاجتماعي الذي يحدد طبيعة هذه العلاقات، ويؤثر بصورة مباشرة في حياة ملايين المواطنين، وفي أوضاع النساء والأطفال، وفي درجة الاستقرار الأسري والتماسك المجتمعي.
ولهذا فإن النقاش حول هذا القانون هو في جوهره نقاش حول الأسرة المصرية التي نريدها، والمجتمع الذي نسعى إلى بنائه، والتوازن الذي نطمح إلى تحقيقه بين الحقوق والمسؤوليات، وبين العدالة والاستقرار، وبين الحفاظ على الثوابت والاستجابة للتحولات التي يشهدها المجتمع.
السيدات والسادة،
لقد شهد المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة تحولات مهمة في أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما تراكمت خبرات عملية وقضائية واسعة أظهرت الحاجة إلى حوار جاد حول عدد من القضايا المرتبطة بتنظيم العلاقات الأسرية.
وفي الوقت ذاته، فإن الدستور المصري قد وضع مجموعة من المبادئ الحاكمة التي يجب أن تشكل مرجعيتنا المشتركة في أي نقاش تشريعي من هذا النوع، وفي مقدمتها حماية الأسرة باعتبارها أساس المجتمع، وصون كرامة الإنسان، وتحقيق المساواة وعدم التمييز، وضمان المصلحة الفضلى للطفل، واحترام الخصوصية الدينية والثقافية للمجتمع المصري.
والتحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين هذه المبادئ، وإنما في القدرة على تحقيق التوازن بينها جميعاً في إطار رؤية متكاملة تضمن العدالة والاستقرار معاً.
إن نجاح أي قانون للأحوال الشخصية لا يقاس فقط بمدى سلامة صياغته القانونية، وإنما بمدى قدرته على تحقيق العدالة بين أطراف العلاقة الأسرية، وحماية الفئات الأكثر احتياجاً للحماية، وتعزيز استقرار الأسرة، وتقليل النزاعات، وترسيخ الثقة في مؤسسات العدالة.
فالقانون الناجح ليس ذلك الذي يحسم الخلافات فحسب، وإنما الذي يساعد المجتمع على الحد منها، ويعزز ثقافة الحقوق والمسؤوليات، ويُسهم في بناء علاقات أسرية أكثر استقراراً وتوازناً.
السيدات والسادة،
إن المجلس القومي لحقوق الإنسان لا يدخل هذا النقاش باعتباره طرفاً في أي جدل مجتمعي أو قانوني، ولا باعتباره داعماً لرؤية مسبقة أو منحازاً لاتجاه دون آخر.
فالمجلس لا يدعي امتلاك الإجابات النهائية، لكنه يؤمن بأن من واجبه أن يساعد على طرح الأسئلة الصحيحة، وأن يهيئ المجال للاستماع إلى مختلف الآراء والخبرات، وأن يضمن أن تستفيد النقاشات المتعلقة بالقضايا الكبرى من أوسع قاعدة ممكنة من المعرفة والخبرة والتجربة العملية.
فمسؤوليتنا ليست الانتصار لرأي دون آخر، وإنما الإسهام في بناء الجسور بين مختلف الفاعلين، وتحويل التباينات في الرؤى إلى معرفة جماعية يمكن أن يستفيد منها المشرع وصانع القرار والرأي العام.
ومن هذا المنطلق جاءت فكرة هذه السلسلة من جلسات الاستماع.
السيدات والسادة،
إن قوة الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على سن القوانين، وإنما أيضاً بقدرتها على إدارة النقاش المجتمعي حول هذه القوانين.
والمجتمعات الواثقة من نفسها لا تخشى الحوار، بل تعتبره وسيلة للوصول إلى حلول أفضل وأكثر توازناً واستدامة.
ومن هذا المنطلق، فإن المجلس القومي لحقوق الإنسان ينظر إلى هذه الجلسات باعتبارها ممارسة عملية لقيم المشاركة والاستماع المتبادل والحوار المؤسسي الرشيد، وهي القيم التي تشكل أحد أسس أي عملية تشريعية ناجحة.
وإذا كانت مسؤولية التشريع تقع على عاتق المؤسسات الدستورية المختصة، فإن جودة التشريعات تتأثر بدرجة الانفتاح على الخبرات المتنوعة والاستماع إلى مختلف الآراء والتجارب العملية.
ومن هنا تأتي أهمية الحوار المؤسسي المنظم الذي يسبق أو يواكب عمليات التطوير التشريعي، ويتيح الاستفادة من الرؤى القانونية والقضائية والدينية والحقوقية والاجتماعية المختلفة.
السيدات والسادة،
ولعل من أهم التحديات التي تواجه النقاشات المرتبطة بقوانين الأحوال الشخصية هو الميل أحياناً إلى تصوير الحقوق والاستقرار باعتبارهما هدفين متعارضين.
غير أن الحقيقة هي أن الاستقرار المستدام لا يمكن أن يتحقق دون عدالة، وأن العدالة لا يمكن أن تزدهر في غياب الاستقرار.
ومن ثم فإن التحدي المطروح أمامنا ليس الاختيار بين الحقوق والاستقرار، أو بين العدالة والتماسك الاجتماعي، وإنما تحقيق هذه الأهداف مجتمعة في إطار رؤية متوازنة تراعي مصالح جميع أفراد الأسرة.
السيدات والسادة،
إن ما نبدأه اليوم ليس مجرد جلسة استماع، وإنما مسار حواري متكامل يمتد على مدار الأسابيع المقبلة ويشارك فيه ممثلو مختلف التخصصات والجهات المعنية.
ونأمل أن تتيح هذه العملية الاستماع إلى مختلف وجهات النظر والاجتهادات والخبرات، وأن تسهم في بناء فهم أعمق للقضايا المطروحة، ورصد التحديات العملية، واستخلاص الدروس المستفادة من التجارب المقارنة، وصولاً إلى توصيات موضوعية ومتوازنة تثري النقاش الوطني حول هذا الملف المهم.
كما نأمل أن تمثل هذه التجربة نموذجاً يمكن البناء عليه مستقبلاً في إدارة الحوار حول القضايا التشريعية والسياسات العامة ذات الصلة بحقوق الإنسان.
السيدات والسادة،
إن ما نطلقه اليوم لا يقتصر على مناقشة مشروع قانون مهم، وإنما يعكس إيمان المجلس القومي لحقوق الإنسان بأن التشريعات الأكثر نجاحاً هي تلك التي تُبنى على الحوار والمعرفة والاستماع الجاد لمختلف الآراء والخبرات.
إن المجلس القومي لحقوق الإنسان يدرك أن مسؤولية التشريع هي مسؤولية أصيلة للمؤسسات الدستورية المختصة، كما يدرك أن تعدد الرؤى والاجتهادات حول القضايا الأسرية أمر طبيعي في أي مجتمع حي. غير أن ما يجمعنا جميعاً هو الحرص على الوصول إلى أفضل الحلول الممكنة للمواطن المصري والأسرة المصرية.
وأتطلع إلى أن تفضي هذه الجلسات، ليس فقط إلى مجموعة من التوصيات التشريعية، وإنما إلى توافقات أوسع حول المبادئ التي ينبغي أن تحكم تنظيم العلاقات الأسرية في مجتمعنا.
كما أتطلع إلى أن تشكل هذه المبادرة خطوة إضافية نحو ترسيخ ثقافة الحوار المؤسسي حول القضايا الوطنية الكبرى، وتعزيز مساهمة المجلس في تطوير البيئة التشريعية الداعمة لحقوق الإنسان.
إن المجلس القومي لحقوق الإنسان يضع هذه المنصة للحوار في خدمة الوطن، واضعاً نصب عينيه هدفاً واحداً: الإسهام في بناء منظومة للأحوال الشخصية أكثر عدالة وإنصافاً واستقراراً، بما يحفظ كرامة الإنسان، ويعزز تماسك الأسرة المصرية، ويخدم المصلحة الوطنية العليا.
ونأمل أن تشكل هذه المبادرة خطوة إضافية في ترسيخ دور المجلس كمنصة وطنية للحوار حول القضايا العامة ذات البعد الحقوقي، وكجسر يربط بين الحقوق والسياسات العامة، وبين المواطن ومؤسسات الدولة، دعماً لمسيرة التنمية والاستقرار وتعزيزاً لثقافة حقوق الإنسان في مصر.
أشكركم جميعاً على حضوركم ومشاركتكم، وأتطلع إلى نقاش ثري ومسؤول يليق بأهمية القضية المطروحة وبمكانة المشاركين فيها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. :::