شريط أدوات الوصول إلى الويب
05-07-2026

كلمة د. احمد إيهاب جمال الدين رئيس المجلس القومي لحقوق الانسان افتتاح جلسة الاستماع حول النفقة والرؤية والولاية

السيدات والسادة،

يسعدني أن أرحب بكم في هذه الجلسة الجديدة من جلسات الاستماع التي يعقدها المجلس القومي لحقوق الإنسان حول مشروع قانون الأحوال الشخصية.

لقد ناقشنا في الجلسات السابقة المبادئ العامة التي ينبغي أن تحكم هذا القانون، وكيف يمكن للتشريع أن يحقق التوازن بين العدالة والاستقرار ويحمي كرامة الإنسان. أما اليوم، فإننا ننتقل إلى مجموعة من الموضوعات التي تبدو في ظاهرها أحكاما قانونية متفرقة، لكنها تدور جميعها حول سؤال واحد: كيف نحافظ على حق الطفل في الاستقرار، وعلى استمرار مسؤولية الوالدين، حتى عندما تنتهي العلاقة الزوجية؟

قد تختلف القوانين في موضوعاتها، لكن القليل منها يرافق الإنسان في تفاصيل حياته كما يفعل قانون الأحوال الشخصية. فهو لا ينظم لحظة الزواج فحسب، ولا يتدخل عند وقوع الانفصال فقط، بل يمتد أثره إلى حياة الأبناء، وإلى طبيعة العلاقات داخل الأسرة، وإلى مستقبل المجتمع نفسه.

ولهذا، فإن النقاش حول النفقة، والرؤية، والاستضافة، والحضانة، والولاية التعليمية والصحية، لا ينبغي أن ينحصر في حدود الحقوق والالتزامات القانونية، بل ينبغي أن ينطلق من الغاية التي وجدت هذه الأحكام من أجلها، وهي حماية الطفل، وصون الأسرة، وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

 

إن الدولة الحديثة لا تحل محل الأسرة، ولا تنافسها في دورها، وإنما تضع الإطار القانوني الذي يساعدها على أداء رسالتها، ويتدخل بالقدر اللازم لحماية الحقوق، ومنع الضرر، وصون الكرامة الإنسانية.

ومن هذا المنطلق، فإن هذه الموضوعات لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها حقوقا متعارضة بين أطراف نزاع، وإنما باعتبارها مسؤوليات مستمرة تجاه طفل لا يجوز أن يصبح الخلاف بين الكبار سببا في اضطراب حياته أو انتقاص حقوقه.

فالطلاق قد ينهي العلاقة الزوجية، لكنه لا ينهي الأبوة، ولا الأمومة، ولا المسؤولية المشتركة تجاه الأبناء. ويظل التحدي الحقيقي أمام أي تشريع هو أن يساعد الوالدين على الاستمرار في أداء هذه المسؤولية، حتى وإن انتهت العلاقة بينهما.

فالطفل لا يحتاج إلى النفقة وحدها، كما لا يحتاج إلى الرعاية المادية وحدها، وإنما يحتاج أيضا إلى الاستقرار النفسي، وإلى الشعور بالأمان، وإلى استمرار علاقاته الطبيعية مع والديه وأسرته، كلما كان ذلك ممكنا ويحقق مصلحته الفضلى.

السيدات والسادة،

لقد اعتدنا، عند مناقشة هذه القضايا، أن ينصرف النقاش إلى السؤال التقليدي:

من له الحق؟

ومن يتحمل الالتزام؟

لكن ربما يكون من الأجدى أن نطرح سؤالاً آخر:

ماذا يحتاج الطفل؟

هل تساعد هذه الأحكام على أن ينشأ في بيئة أكثر استقراراً؟

هل تشجع الوالدين على تحمل مسؤولياتهما المشتركة؟

هل تقلل من أسباب النزاع؟

هل تحافظ على الروابط الإنسانية داخل الأسرة كلما كان ذلك ممكناً؟

إن المصلحة الفضلى للطفل لا ينبغي أن تبقى مبدأ عاما نتفق عليه جميعا، وإنما يجب أن تصبح معيارا عمليا نحتكم إليه عند مناقشة كل حكم من أحكام هذا القانون، وعند تقييم أثره بعد التطبيق.

فالطفل ليس أحد أطراف هذا النقاش، بل هو المعيار الذي ينبغي أن نقيس به نجاحه.

 

إن القانون، مهما بلغت دقة نصوصه، لا يستطيع أن يفرض المودة أو يصنع التفاهم بين الناس، لكنه يستطيع أن يضع من القواعد ما يقلل من آثار الخلاف، ويحمي الحقوق، ويشجع على تحمل المسؤولية، ويمنع أن يتحول النزاع بين الوالدين إلى عبء دائم على الأبناء.

كما أن نجاح التشريع لا يقاس فقط بقدرته على تنظيم العلاقات عندما تكون مستقرة، وإنما أيضا بقدرته على إدارة الخلاف عندما يقع، بطريقة تحافظ على الكرامة الإنسانية، وتصون حقوق جميع الأطراف، وتحد من الآثار السلبية للنزاع على الأطفال.

فالتشريع الرشيد لا يكتفي بحسم النزاعات بعد وقوعها، بل يسهم في الوقاية منها، ويهيئ بيئة قانونية تشجع على التعاون أكثر مما تغذي الخصومة، وعلى المسؤولية أكثر مما تعمق الانقسام.

السيدات والسادة،

المجلس القومى لحقوق الانسان لا ينظر الى هذه الجلسة باعتبارها مناسبة للانتصار لرأى على اخر، بل باعتبارها مساحة للحوار المؤسسي المسؤول، الذي يجمع مختلف الخبرات القانونية والقضائية والاجتماعية والحقوقية، بهدف الوصول إلى تشريع أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع، وأكثر اتساقا مع المبادئ الدستورية والمعايير الحقوقية.

فالقيمة الحقيقية لهذا الحوار تكمن في إثراء النقاش، والاستفادة من الخبرات المتنوعة، وبناء فهم مشترك للتحديات العملية التي يثيرها مشروع القانون.

 

قد نختلف حول كثير من التفاصيل القانونية، وهذا أمر طبيعي، لكن ينبغي ألا نختلف على حقيقة واحدة، وهي أن الطفل لا ينبغي أن يكون الطرف الذي يتحمل تكلفة خلاف لم يصنعه، ولا مسؤولية قرار لم يشارك فيه.

فالطفل لا يقرأ النصوص القانونية، لكنه يعيش آثارها كل يوم.

وقد لا يتذكر تفاصيل الأحكام أو الإجراءات، لكنه سيتذكر دائما ما إذا كانت مؤسسات مجتمعه قد نجحت في حمايته، وصون كرامته، والحفاظ على استقراره في أكثر مراحل حياته هشاشة.

فإذا نجح هذا القانون في أن يعزز استمرار مسؤولية الوالدين، ويمنح الأطفال مزيدا من الاستقرار، ويشجع على حلول تقلل الخصومة وتدعم التعاون، فإننا لا نكون قد طورنا نصوصا قانونية فحسب، بل نكون قد أسهمنا في بناء مستقبل أكثر عدلا، وأكثر تماسكا، وأكثر إنسانية.

وشكرا لكم.